السيد محمد باقر الصدر
67
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
كشف القرآن عن سنن التاريخ : من مجموع هذه الآيات الكريمة يتبلور المفهوم القرآني الذي أوضحناه ، وهو تأكيد القرآن على أنّ الساحة التاريخية لها سنن ولها ضوابط كما يكون هناك سنن وضوابط لكل الساحات الكونية الأخرى . وهذا المفهوم القرآني يعتبر فتحاً عظيماً للقرآن الكريم ؛ لأنّنا - في حدود ما نعلم - [ نجد أنّ ] القرآن الكريم أول كتاب عرفه الإنسان أكّد على هذا المفهوم وكشف عنه وأصرّ عليه وقاوم بكل ما لديه من وسائل الاقناع والتفهيم ، قاوم النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية لتفسير الأحداث ، الإنسان الاعتيادي كان يفسّر أحداث التاريخ بوصفها كومة متراكمة من الأحداث ، يفسّرها على أساس الصدفة تارة ، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر اللَّه سبحانه وتعالى تارة أخرى ، القران الكريم قاوم هذه النظرة العفوية وقاوم هذه النظرة الاستسلامية ونبّه العقل البشري إلى أنّ هذه الساحة لها سننها ولها قوانينها ، وأ نّه لكي تستطيع أن تكون إنساناً فاعلًا مؤثراً لابدّ لك أن تكتشف هذه السنن ، لابدّ لك أن تتعرف على هذه القوانين لكي تستطيع أن تتحكم فيها ، وإلّا تحكّمت هي فيك وأنت مغمض العينين . افتح عينيك على هذه القوانين ، افتح عينيك على هذه السنن لكي تكون أنت المتحكّم لا لكي تكون هذه السنن هي المتحكّمة فيك . هذا الفتح القرآني الجليل هو الذي مهّد إلى تنبّه الفكر البشري بعد ذلك بقرون ، إلى أن تجري محاولات لفهم التاريخ فهماً علمياً . بعد نزول القرآن بثمانية قرون بدأت هذه المحاولات ، بدأت على أيدي المسلمين أنفسهم ، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه ، ثم بعد ذلك بأربعة قرون - على أقل تقدير - اتّجه الفكر الأوربي في بدايات ما يسمّى بعصر النهضة ، بدأ لكي يجسّد هذا المفهوم ، هذا المفهوم الذي ضيّعه المسلمون ، والذي لم يستطع